متفرقات

المرتضى: قراءةٌ بعقلٍ بارد للنيّة بالتفاوض.

أدلى الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى بموقف بخصوص نيّة التفاوض مع العدو الإسرائيلي قال فيه:”التفاوض مع العدوّ أداةٌ استراتيجية تُقاس بموازين القوّة والظروف”.

وتابع:” من موقعِ ضعفٍ وانقسام، قد يجرُّ التفاوض إلى إستسلامٍ مقنّع، أما من موقع وحدةٍ وصمودٍ وثبات وقدرة، فقد يؤدي، كوسيلة، الى حفظ السيادة وصون الكرامة والحقوق”.

واضاف مستشهداً بمعطيات تاريخية:” التاريخ يؤكّد هذه القاعدة بوضوح: في فييتنام، فرضت سنوات الصمود “اتفاقيات باريس 1973″، فجاء التفاوض نتيجة توازنٍ لا نتيجة ضعف. وفي حرب أكتوبر 1973، أتاح الإنجاز العسكري لكلٍّ من مصر وسوريا الانتقال إلى تفاوضٍ يستند إلى واقعٍ جديد فصدرت قرارات واتفاقيات فضّ الاشتباك بالإستناد الى ذلك. وفي الجزائر، لم تكن اتفاقيات “إيفيان” إلاّ ثمرةَ مقاومةٍ طويلة فرضت على الاستعمار الإعتراف بالحقوق. وكذلك في جنوب أفريقيا، جاء التفاوض تتويجاً لصمودٍ داخلي أنهك نظام الفصل العنصري”.

وانتقل بعدها المرتضى لاستحضار ثوابت من التاريخ اللبناني فقال:”أما في لبنان، فالدروس أقرب وأكثر وضوحاً. بعد عملية عناقيد الغضب 1996، لم يكن “تفاهم نيسان” نتيجة استضعاف، بل ثمرةَ صمودٍ ميداني فرض قواعد اشتباك حدّت من استهداف المدنيين ومهّدت لتحرير العام 2000. وبعد حرب تموز 2006، جاء القرار 1701 ليكرّس وقفاً للأعمال العدائية، مستنداً إلى عجز العدو عن تحقيق أهدافه والى إيلامه، بفعل ثبات اللبنانيين وتضامنهم ومقاومتهم، لا إلى انهيارٍ لبناني أو تشرذّم. في الحالتين، لم يكن التفاوض بديلاً عن الثبات والوحدة والصمود، بل نتيجةً مباشرة لها وأداةً لتنظيمها تمهيداً للإستفادة منها سياسياً”.

وتناول بعدها المرتضى تجربة اتفاق ١٧ ايار وقال:” في المقابل، تظلّ تجربة اتفاق 17 أيار 1983 مثالاً معاكِساً: تفاوضٌ جرى في ظلّ انقسامٍ داخلي واختلالٍ في موازين القوّة لمصلحة اسرائيل، فأدى إلى تفريطٍ بالمصالح الوطنية وعمّق الانقسامات بين اللبنانيين وفتح الباب أمام انفجاراتٍ داخلية. هذا النموذج يبيّن بوضوح أنَّ التفاوض بلا وحدة وصلابة لا يحمي الدولة ولا يُحقّق مصالح الشعب، بل يُعرّضهما لمزيد من الاهتزازات وقد يُفضي الى ما لا تُحمدُ عقباه”.

واضاف المرتضى دعياً الى الاستفادة من الأزمة الاسرائيلية الراهنة وقال:”اليوم، ومع ما تشهده المنطقة من تحوّلات، تجد إسرائيل نفسها تحت ضغطٍ متزايد، ما يخلق فرصةً للبنان الرسمي لاستثمار هذه اللحظة. عدم الانخراط في أيّ محور قد يكون شعار البعض سيادياً وخياره على مستوى القرار السياسي، لكن تجاهل ما تتيحه هذه الظروف من أوراق قوّة هو خطأ استراتيجي لا سيّما وأنَّ العدوان لا يميّز، فضلاً عن أّنّ الفرص لا تتكرّر كثيراً”،

واعتبر المرتضى في خلاصة أنّ:”التفاوض الذي يحمي لبنان هو ذاك الذي يُبنى على وعيٍّ وصمودٍ ووحدة وأيضاً على الحذر مما يُضمره العدو الذي يرمي الى تأجيج الفتن الداخلية كما يهدف الى قضم الأرض، ويُبنى كذلك على أخذ العبر من المنهجيات التي أثمرت ما ورد في القرار 1701 والحرص على عدم التفريط بالمنجزات المكرّسة فيه. فالتفاوض هو وسيلة لتثبيت الإنجاز ومراكمته وأداةّ لضمان ديمومة وقف العدوان وعدم إعلاء يدّ العدوّ أو إطلاقها”.

وقال المرتضى بعد ذلك:”بين نموذجٍ يفرض شروطه ونموذج يُفرض عليه، يقف لبنان اليوم أمام خيارٍ واضح: إمّا وحدةٌ داخلية وثباتٌ لإجهاض أهداف العدوان مما يُمهّد الى تفاوضٍ ينجح في حماية الأرض والسيادة والكرامة ويضمن مستقبلاً يليق بتضحيات اللبنانيين وتطلّعاتهم… أو تفاوضٌ قد يُهدر ما تقدّم ويعيد إنتاج الأزمات السابقة وربما على نحوٍ أكثر جسامة”.

وختم:”ويبقى الدعاء على الدوام بأن يُلهمنا جميعاً الوعي والتبصّر وحُسن التدبير!”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى