يشهد المشهد السياسي في كيان العدو توتراً متصاعداً مع استمرار الضغوط على رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو، الذي يواجه منذ عودته إلى الحكم أزمة ثقةٍ داخلية تتفاقم بفعل حرب غزة.
وبحسب تقارير متعددة، يعتمد نتنياهو في تماسكه السياسي على قاعدته اليمينية، بينما يتّهمه خصومه باستغلال الظرف الأمني لتأجيل محاكمته والتهرب من الاستحقاق القضائي.
في الوقت نفسه، يستمر نتنياهو في مواجهة ثلاث قضايا فساد معروفة بالملفات 1000 و2000 و4000، تتضمن اتهاماتٍ بتلقّي هدايا ثمينة وتقديم تسهيلات لرجال أعمال مقابل مكاسب إعلامية وتنظيمية، وهي تُهم ينفيها بشكلٍ قاطع ويصفها بأنها حملة سياسية تستهدف إسقاطه. وقد وثّقت مصادر عدّة تفاصيل هذه القضايا وإصرار نتنياهو على تأجيل جلساتها، مستفيداً من موقعه السياسي.
أمّا على مستوى الكيان، فقد شكّل هجوم “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 نقطة تحول استراتيجية كشفت هشاشة منظومة الردع والاستخبارات، وأدّت إلى أزمة داخلية عميقة عبّر عنها تراجع اقتصادي واستقالات في القيادة العسكرية وانتقادات واسعة لإدارة نتنياهو للملف الأمني.
وتشير الدراسات إلى أن الحرب التي تحوّلت من ردّ موضعي إلى محاولة لإسقاط حكم حماس دفعت المنطقة نحو مرحلة أكثر تعقيداً وأضعفت تماسك الكيان الداخلي.
في هذا السياق، قالت المحلّلة السياسية سيما كادمون لصحيفة “يديعوت احرونوت” العبرية: “ثقوا بنتنياهو. إنه أول من أدرك خطورة وضعه.”
أردفت، “بينما يُكثر رؤساؤه من الحديث عن انهيار القضايا، تُشير شهادات محكمة تل أبيب المركزية في الواقع إلى أن رئيس الوزراء في ورطة. شهادته تنهار، ويُناقض نفسه، وينسى ما قاله عند استجوابه من قبل الشرطة، ويُقبض عليه مرارًا وتكرارًا وهو يكذب، أو كما أخبرني محامٍ مخضرم ببراعة مُميزة: إنه يُربك العقل. يقول المحامي نفسه، وهو محامي دفاع سابق، إن المتهم الذي يؤمن بصوابه يريد إنهاء محاكمته في أسرع وقت ممكن. المحاكمة هي تدمير لحياة الشخص المُحاكم. إنها بمثابة الاستيقاظ عليها صباحًا والنوم عليها مساءً. مثل هذا الشخص لا يريد سوى إضافة المزيد من الجلسات لإنهاء الكابوس.”
وتابعت، “إذا كان الأمر كذلك، فليس هناك دليل أفضل على فهم بيبي لوضعه القانوني من التأجيلات والتأجيلات، والأعذار والتهرب من المحكمة. مسائل سياسية، ومسائل أمنية، وأمراض، واجتماعات مهمة – شروحات من معمل النبيذ ومن البيدر.”
ثم ختمت، “وكلما ازداد وضعه خطورة، لجأ إلى وسائل غير تقليدية. على سبيل المثال، استمالة الرئيس الأمريكي لصالحه. لا يُطلب من رئيس الوزراء القيام بمثل هذا الفعل إلا إذا كان يائسًا. لذا، بينما يصرخ أنصار نتنياهو فرحًا بانهيار المحاكمة، فإن نتنياهو نفسه هو الخائف.”
إذا أردنا أن نجزّء هذا التصريح ونحاول تبسيطه سنصل إلى النتائج التالية:
– نتنياهو مدركٌ جيدًا للتهم التي يواجهها والمحاكمة تمثل تهديدًا حقيقيًا لحياته السياسية والشخصية. هذا الإدراك يدفعه لاستخدام تكتيكات معقدة بدلاً من الاعتراف أو التهاون.
– هناك تناقضات في أقواله، وربما شهادة غير متماسكة، ما يضعف الدفاع القانوني له أمام الادعاء. مثل هذه الأخطاء في الشهادة تشير إلى ضعف في الحجة القانونية وقد تكون ميزة خصمه.
– استخدامه لحجج متعددة (سياسية، أمنية، صحية) لتأخير المحاكمة. مثلاً، لديه تبرير أمني — قضية سرية — لوقف بعض جلسات المحاكمة. هذا النوع من التأجيل قد يكون علامة على ضعف موقفه القانوني، فهو لا يواجه القضية مباشرةً بل يحاول دفعها بعيدًا.
– نتنياهو يستخدم نفوذه كرئيس وزراء لربط المحاكمة بقضايا سياسية حقيقية: هذا يمنحه غطاءًا لادعاء أن تأجيله ليس من أجل التملص فقط، بل من أجل الأمن القومي أو مسؤوليات سياسية. هذا الأسلوب يجعله يبدو كزعيم مشغول «بالمهمة الوطنية»، وليس مجرّد متهم عادي.
– نتنياهو لجأ إلى دعم دولي، ربما مستغلاً علاقاته مع شخصيات مثل ترامب أو غيره، كطريقة لتعزيز موقفه أو الضغط عبر المحاكم.الحاجة إلى مثل هذا الدعم تُبرز شعوره بالضعف الداخلي في المحاكمة، أي أنه بات «يائسًا».
إذن فالأزمة التي يمر بها رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو اليوم ليست مجرّد حدثٍ عابر! قد تؤدي خسارة نتنياهو للمحاكمة إلى السجن لسنوات بتهم الرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة، إضافة إلى غرامات محتملة تُعمّق أزمته الشخصية والسياسية. كما قد يُجبر على الخروج من الحياة السياسية أو السعي إلى عفو رئاسي، في خطوة ستثير انقسامًا داخليًا واسعًا حول استقلال القضاء. وإدانته ستنعكس على مكانته الدولية، خاصة مع محاولات أنصاره وحلفائه — بمن فيهم ترامب — للتدخل لصالحه.
نتنياهو كذلك أصبح هدفًا لكراهية دولية كبيرة، فالمحكمة الجنائية الدولية وجّهت ضده تهم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، مع مذكرات توقيف تُلزِم بعض الدول الأعضاء بتنفيذها. وليس الأمر محصورًا بالمحكمة فحسب؛ فحسب تقارير، يفكر أكثر من 120 بلدًا في تقييد تحركاته أو رفض استقباله، مما يعكس عزلة دبلوماسية متنامية.
داخليًا، يُنتقد نتنياهو بشدة من خصومه على أنه يقود سياسات عسكرية علمانية غير مسؤولة، ويستخدم التصعيد من أجل مكاسب سياسية على حساب المدنيين الفلسطينيين. في المقابل، يرى أنصاره أن الاتهامات “سياسية” وتستهدف تشويه صورته، ما يفاقم الانقسام داخل المجتمع “الإسرائيلي”.
من جهةٍ أخرى، الشعب الأوروبي – وعلى مستوى الرأي العام – بات يعبر علنًا عن تعاطفه مع فلسطين في احتجاجات واسعة، ولم يعد صدى الدعاية الصهيونية يشوش على دعمه.
في النهاية، يبدو أن نتنياهو ليس فقط على المحك قانونيًا، بل هو محاصر ثقافيًا وأخلاقيًا من الداخل والخارج بنفس القدر. فهل وصل نتنياهو إلى نهاية الطريق، أم أنه سيجد مخرجًا للهروب في اللحظة الأخيرة؟
زر الذهاب إلى الأعلى