خِرْبَةُ سِلْم – تُوَقِّعُ تاريخَها بِالدَّم

لَمْ يَغيبوا
فَمَنْ يَكْتُبونَ الوَطَنَ بِدِمائِهِم
لا يَرْحَلون.
صَعدوا مِنْ تُرابِ خِرْبَةِ سِلْم،
لا كَوَمْضٍ عابِرٍ في دُخانِ الحُروب،
بَلْ تَرَكوا لِلزَّمَنِ
صَوْتًا
يَبْقى أَطْوَلَ مِنَ الغِيابِ.
كانوا يُشْبِهونَ القَمحَ
حينَ يَنْحَني لِكَيْ يُطْعِمَ الأَرْض،
ويُشْبِهونَ الأَذانَ
حينَ يَخْتَرِقُ الرُّعْبَ
لِيُعَلِّمَ القُلوبَ
أَنَّ اللهَ أَكْبَر.
يا خِرْبَةَ سِلْم،
كَمْ مَرَّتِ الغاراتُ فَوْقَ سُطوحِكِ
وكانَ رِجالُكِ
يَرْفَعونَ القُرى عَلى أَكْتافِهِمْ
كَأَنَّهُم يَحْمِلونَ الوَطَنَ
كُلَّهُ
في صُدورِهِم.
هَؤُلاءِ الَّذينَ
كانوا يَعْبُرونَ إِلى المَوْتِ
بِخُطًى مُطْمَئِنَّة،
لَمْ يَكونوا يُفَكِّرونَ بِالنَّجاةِ،
بَلْ كانوا يَفْتَحونَ لِلآخَرينَ
طَريقَ الحَياة.
كُلُّ شَهيدٍ مِنْهُم
كانَ أُمًّا تَدْعو،
وطِفْلًا يَنْتَظِر،
وحُلْمًا مُعَلَّقًا عَلى نافِذَة،
لَكِنَّهُ
حينَ ناداهُ الوَطَنُ
خَلَعَ خَوْفَهُ
ومَضى.
أَيُّها الشُّهَداء،
يا مَنْ تَرَكْتُم
عَلى تُرابِ خِرْبَةِ سِلْم
آثارَ خُطاكم
كَأَنَّها آياتُ نور،
نَحْنُ لا نَرْثيكُم
بَلْ نَقِفُ أَمامَكُم
كَالتَّلاميذِ
أَمامَ دَرْسِ الكَرامة.
لَقَدْ جَعَلْتُم مِنْ دِمائِكُم
سُلَّمًا
يَصْعَدُ بِهِ الوَطَنُ
إِلى كِبْرِيائِهِ،
وكَتَبْتُم بِأَجْسادِكُم
مَعْنى أَنْ يَكونَ الإِنْسانُ
أَكْبَرَ مِنْ خَوْفِهِ.
يا خِرْبَةَ سِلْم،
إِذا بَكَتِ الأُمَّهاتُ
فَإِنَّ الأَرْضَ تَرْتَجِفُ مَعَهُنَّ،
وإِذا ذُكِرَ الشُّهَداءُ
يَقِفُ الزَّمَنُ خاشِعًا
كَأَنَّهُ يَسْمَعُ
خُطى الخُلود.
سَيَبْقَوْنَ
كُلَّما أَزْهَرَ زَيْتونٌ،
أَوْ رَفْرَفَ عَلَم،
أَوْ رَدَّدَ طِفْلٌ اسْمَ قَرْيَتِهِ بِفَخْر.
سَيَبْقَوْنَ
في النَّبْضِ،
في الحِكاياتِ،
في صَوْتِ الجَنوبِ
إِذا تَكَلَّمَ بِالعِزَّة.
هُمْ لَمْ يَموتوا
هُمْ فقطْ
غَيَّروا مَكانَهُم
وصاروا أَقْرَبَ إِلى الله.
نُعاهِدُ الشُّهَداءَ
أَنْ نَحْفَظَ دِماءَهُمْ
كَما تُحْفَظُ الآياتُ في صُدورِ العارِفينَ،
وأَنْ تَبْقى ذِكْراهُمْ مَنارَةً لا تُطْفِئُها السِّنين،
وضِيَاءً يَهْدِي خُطانا إِلى النَّصرِ المُبين.
ونُهَنِّئُهُمْ
بِمُجاوَرَةِ النَّبِيِّ وآلِهِ الطَّاهِرينَ،
وبِصُحْبَةِ الشُّهَداءِ والصَّالِحين.
عبَّاس فتوني



