متفرقات

محفوظ: دول الخليج والتجاذبات الأميركية – الايرانية حولها وعليها

وصلت الحرب الأميركية – الاسرائيلية على ايران إلى مستوى من “التشبيك” بين ما هو عسكري وما هو اقتصادي ونفطي وغازي وما هو “بوابات بحار” وما هو اغتيالات ومساس بالخطوط الحمر أمرا يستدعي مشاركة اقليمية ودولية بها لم تكن مأخوذة في حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحديدا. فاستهداف الطيران الحربي الاسرائيلي لمحطة بوشهر المدنية للغاز هو تصعيد اسرائيلي يستهدف ضرب البنى التحتية المدنية والتي لها علاقة بحياة الناس اليومية ما يعني المساس بالمجتمع السياسي والعسكري والمدني معا. وهذا سابقا كان محظورا في الحسابات الأميركية للرئيس دونالد ترامب حيث يبدو أن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو يأخذه إلى حيث يريد تحت ضغط واقع الحرب وسقوط توقعات البيت الأبيض بانتزاع ما تريده من ايران بعد أيام على الحرب بتلازم أمرين هما اغتيالات المستوى الأول والثاني من القيادات العسكرية والدينية والسياسية وتراجع القدرة القتالية وصعوبة إدارة الحرب. وهذه التوقعات المتسرعة لم تكن في مكانها. فايران استفادت من دروس الحصار الطويلة لها ومن الخداع الأميركي في تجربتين للتفاوض استتبع شن حربين عليها في فترة قصيرة للغاية.

لا شك أن اغتيال الدكتور علي لاريجاني هو خسارة كبيرة لايران. والإغتيال هو فعل اسرائيلي مقصود لاصطياد “العقول المفكّرة” على مستوى القيادة الايرانية ولمن يملكون رؤية واضحة للحرب والتفاوض ويعرفون جيدا العقل الغربي وكيفية مخاطبته مع الإلتزام بثوابت النظام الايراني. وفي المعلومات أنه حتى في واشنطن هناك من يعتقد بأن اغتيال لاريجاني من اسرائيل هو لقطع الجسور بين طهران وواشنطن دفعا باتجاه حرب تدميرية ونشر للفوضى ولتحريك الداخل الايراني. ويستنتج هؤلاء أن هذا الأمر هو عمل عبثي لاستدراج الولايات المتحدة إلى سياسة اسرائيلية تحت عنوان “الشراكة مع الرئيس دونالد ترامب” وتوريط الولايات المتحدة الأميركية. وبهذا المعنى يمكن فهم استقالة رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة الأميركية جو كينت والذي هو من فريق ترامب الأساسيين الذي اعترض على سياسة التوريط الإسرائيلية للولايات المتحدة الأميركية بحرب كانت بغنى عنها وغير ضرورية.

وقد وضع استهداف حقل بارس للغاز القريب من محطة بوشهر النووية الحرب من جانب اسرائيل أمام تحوّل جديد كان حذّر منه الدكتور علي لاريجاني قبل اغتياله بانعطافة للحرب تتناول حقول النفط والغاز وشبكات الكهرباء والماء ما يعطي الحرب بعدا اقليميا وعالميا وانخراطا إجباريا لدول أخرى فيها. وبالفعل كون ضرب حقل بارس للغاز وهو قريب من محطة بو شهر النووية التي يديرها خبراء روس يقيمون فيها على ما تقول مصادر روسية دفع موسكو إلى تحذير واشنطن وتل أبيب من مغبة الإقتراب من المحطة النووية. ولعل هذه الحقيقة كانت وراء تنصّل الرئيس دونالد ترامب من المشاركة في إشعال حقل الغاز الايراني وفي الإيحاء بعدم التعرّض للبنى النفطية والغازية.

لا شك أن دول الخليج العربية هي المتضررة الأساسية من “حروب النفط والغاز”. وهي حاليا في موقع التجاذب الحقيقي بين واشنطن وطهران التي تعتبر أن من حقها الرد على مصادر الحرب في القواعد العسكرية الأميركية وعلى الشركات الأميركية التي تتحكّم بالنفط الخليجي على ما تقول. وهذا “الحق الايراني” تعتبره الدول الخليجية “اعتداء” على سيادتها علما بأنها مربكة إذ لا تملك في الآن نفسه إمكانية إغلاق القواعد العسكرية الأميركية وعدم استعمال مجالها الجوي من الطيران الأميركي.

والدول الخليجية في الوقت الراهن لا تستطيع لا تلبية المطالب الأميركية بالإنضمام إلى التحالف العسكري في الحرب ضد ايران الذي يدعوها إليه الرئيس دونالد ترامب ولا إلى تلبية المطالب الايرانية ولا إلى ضمان كونها ملاذا آمنا اقتصاديا وماليا عالميا بعد مغادرة الكثير من الشركات دبي وغيرها إلى بلدان أوروبية. وأما مخرج الحياد فهو صعب في ظل التشبيك الحاصل لأبعاد الحرب المختلفة ولاحتمالات التصعيد والمفاجآت العسكرية علما بأن منسوب الإشارات الديبلوماسية يرتفع. فالسفير الأميركي في تركيا توم برّاك القريب من الرئيس ترامب يتكلم حاليا عن “ضرورات التواصل للتفاوض” ومثله يجري المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إتصالات بجهات متعددة وبسرية كاملة. كما أن وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي ينشط ديبلوماسيا بأكثر من اتجاه وخصوصا مع تركيا وباكستان ومصر. وهناك كلام عن مبادرة إسلامية لهذه الدول الثلاث ليكون للعالم الإسلامي كلمته في التفاوض. كما لا بد من الإشارة إلى دور دولة عمان ووزير خارجيتها بدر البوسعيدي في إبعاد دول الخليج عن التجاذبات الأميركية -الايرانية. وكذلك ظاهرة حاجة الدول الخليجية مجتمعة إلى دور ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان في علاقاته الدولية وخصوصا مع الرؤساء ترامب وبوتين وماكرون والمستشار الألماني فريدريك ميرتس.

ختاما أكثر من جهة دولية واقليمية تتحرك لرسم خريطة المفاوضات على قاعدة تجنيب المنطقة حروبا مدمّرة إنطلاقا مما أشارت إليه رئيسة الإستخبارات الأميركية تولسي غابارد من أن هذه الحرب قد تنهك النظام الايراني ولا تسقطه ويملك القدرات العسكرية والصمود.

عبد الهادي محفوظ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى